_ اللقاء_
جاء يوم السبت واخذت الشمس تغادر سباتها ملقيه باشعتها الذهبيه علي الطرق والميادين حيث ينكسر احدها علي نافذه غرفتها مصطحبا معه بريق امل للفتاه ...
الوقت كان ما زال باكرا فلم تكن الساعه تتجاوز السابعه صباحا انذاك ولكن خوفها من ان تضيع فرصتها في العمل بتلك الشركه هو ما جعلها تغادر الفراش علي عجل لتستعد للخروج فاخذت ترتدي افضل ما لديها من ثياب و قد كان فستان ابيض يمتد الي ما بعد ركبتيها و تزينه الورود الحمراء و بعض اللالاء لتبدو الصغيره كملكه توجت علي عرش الجمال ..
السكينه والهدوء تعم الطرق وكأن الأشباح قد سكنت المدينه واخلتها من اي روح وبينما هي تعبر فاذأ برجل يمثل امامها علي الجهه المقابله من الطريق .. كان رجل في أخر الثلاثينات من عمره تبدو عليه ملامح الفرسان
وعلي الرغم من صغر حجمه الا انه يبدو قوي البنيه مفتول العضلات ووجهه الخمري تعلوه هاله ضوء ويحتضن بين ثناياه انف طويل حاد كالسيف وفم صغير تطوقه ابتسامه تسرق روح من ينظر اليها
اما عيناه فتخضبتا بلون اوراق شجيره قبل ان تهجرها مع رياح الخريف وكان يحدهما حاجبين عريضين تلونتا بلون شعره الطويل الذي غاص الليل فيه بسواده فبدا وجه الشاب كوجه القمر حين يتشكل البدر فيه ....
وبذلته الرياضيه السوداء اظهرت ملامحه الجذابه واعطت من ينظر اليه ايحاء بانه كمن عاد بعد مجهود شاق الي حاله سكون وقد كان بالفعل يهرول ولكن توقف فجاه حين راها وكأن الروح قد فارقت جسده لبرهه من الزمن توقفت عندها خلايا الرجل عن الحركه وما حدث زال عندما رمقته نور بنظره لا مبالاه وكانت تلك النظره كفيله بان تعيد الشاب الي صوابه ليكمل كل منهما طريقه حيث يقف الاخر ليكون الفراق ...
ولكن ما يريده القدر لا يستطيع ان يحول دونه أنسان فاذا بعربه تأتي من اخر الطريق تتحرك بسرعه البرق نحو الرجل لتطرحه أرضا راقدا وسط بحر من دماءه ولم يتوقف سائق السياره لينظر ماذا حدث للشاب كأنه فعل ذلك عن عمد .....
أسرعت نور نحو الشاب الذي غطت الدماء ملامح وجهه وتدفق البرد الي اوصاله و أخذته بين ذراعيها غير مدركه لما حدث وصرخت بصوت يعلوه البكاء – النجده.. هل يساعدني احد !!! – ولكن لم يجيب صوتها الا صداه
حينها ادركت أنها يجب ان تتولي مساعدته بنفسها وعندما تأكدت نيتها اذ بعربه لم تعرف من أين او متي اتت ..تقف امامها وخرج السائق منها مسرعا يصيح : هيا لننقله الي المستشفي .. أسرعي ليس امامه وقت طويل
دخلت نور الي العربه ومعها الرجل تحتضنه بين ذراعيها حيث اخد سائق السياره وكانت سياره اجره انذاك يوجه اليها سؤالا : ماذا حدث؟!
فقالت: لا اعلم فقد كان واقفا أمامي وفجأه وجدته مطروحا أرضا .. لقد صدمته سياره ولم يتوقف صاحبها للمساعده حتي!!
فأجابها السائق وقد كان في الخمسينات من عمره تظهر عليه ملامح الخبره والفطنه : كالعاده يستطيع المرء ان يقتل أخوه و
لا يذرف دمعه واحده عليه , لقد عاد عهد قابيل وهابيل من جديد فليرحمنا الله ويشملنا بعفوه
وأردف يقول ولكن اليك نصيحه من رجل صارع الحياه وصارعته- أن لا تتدخلي اكثر من ذلك- فعندما نصل الي المستشفي نطمئن انه وصل الي أيدي ملائكه الرحمه ثم نرحل دون ان نقول اي كلمه حتي لا يتورط احدنا في هذا ألامر اكثر من ذلك ...
قالت نور : نعم .. وانت علي حق .
وعندما وصلوا الي المستشفي أدخلوا الرجل الي غرفه العمليات التي من النظره الاولي توحي بان من دخلها فقد الامل في عودته حيث يغطيها سحب من الغمام رغم ان الأضاءه فيها تكاد تضيع البصر من شدتها مع رائحه الادويه المخدره التي تكسو ارجائها ..
خرجت احدي الممرضات من تلك المقبره علي عجل حيث امسكت نور بذراعيها وسألتها عن حال الشاب
فاجابتها الممرضه : سيئه جدا .. لقد نزف الكثير من الدماء ونحتاج الي نقل البعض اليه .
بادر السائق بقوله : نحن لا نعرفه .. أرجو ان تهتموا به فنحن فعلنا ما بوسعنا لمساعدته
الممرضه : نعم .. ولكن فصيله دم الشاب من النوع (o) وهي فصيله نادره جدا خاصه غير اننا علي وشك ان نفقده اذ لم نجد متبرع في اقرب وقت .
قطعت نور صمتها اللي تاهت فيه منذ دخلت المستشفي قائله : أنا فصيلتي من النوع (o) .
الممرضه : اذا يجب ان تتبرعي له .
نظرت نور الي عيني الرجل التي ظلت تقولها لها – لا تفعلي ..لا تتورطي اكثر من ذلك – ولكنها ا اجابت نظراته
بقولها : يجب ان افعل والا سوف يموت .
ثم اردفت تقول : ساتبرع اليه بكل ما يحتاجه من دما .
السائق : اذا .. علي ان اذهب فلدي عمل لأقوم به واتمني من الله ان يدب الروح فيه من جديد.
وتركهما دون وداع ليكون الرسول الذي يهدي الخطي ثم يتركك حين يتأكد ايمانك وليحملني دين الي هذا اليوم الذي اكتب فيه روايتي لا استطيع سداده .
في غرفه العمليات ..اخذ الدم يتدفق من شريانها الي عروق الشاب ومنها الي القلب الذي اراد ان يهجر خليله قبل ان
يعلمه الهدف من الحياه .. وهو ان تحب
وبعدما ا انهت الفتاه المهمه التي ساقها القدر اليها جلست لتطمئن عليه وكان الوقت يمر علي مهل كأن كل دقيقه تمر بعمر
كانت قد تجاوزت الساعه الحاديه عشرا حين خرج الطبيب من غرفه العمليات مبشرا بسلامه الشاب حينها دق جرس الأنذار ...
ظل صوت السائق يرتد في ذهنها – لا تتدخلي اكثر من ذلك – لا تتورطي في المتاعب لاجل احدا لا تعرفيه ...
حينها اسرعت نور بالمغادره لكن توقفتها الممرضه قائله : الي اين تذهبين يا صغيرتي ؟!
نور : يجب ان اذهب فلدي عمل لاقوم به .
الممرضه : ولكن اذا بقيت فلربما أعطاك الرجل مكأفاه علي جودك و مساعدتك له !!
الفتاه : الجواد لا ينتظر ردا لعطائه .
وخرجت نور من المستشفي التي دبت فيها روح الشاب من جديد و ولد فيها اول مشاعر حب صادقه سوف تكون سببا تحيا من اجله فيما بعد الي حيث يتربص بها القدر ليعدها الي نفس المكان مره اخري يوما ما ...



0 التعليقات
إرسال تعليق